الرغام هو التراب، والمنتصر في معركة المراغمة هو الذي تمكن من وضع أنف خصمه في التراب، وإن معركتنا مع الشيطان الرجيم هي من ذلك النوع؛ فتعرف على قوانين تلك المعركة كي تنتصر عليه وتضع أنفه في التراب.

معركة المراغمة بين الإنسان والشيطان

جميعنا يعرف ما قد حدث من الشيطان عندما أمره الله أن يسجد لأبينا آدم، لكنه تكبّر بل وقرر أن يُغوي آدم وأبنائه جميعًا: [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)] سورة ص.

وبالرغم من مرور آلاف السنين، لم يتهاون الشيطان ولكن بكل عزيمة يُنفذ ما قرره دون تهاون، ويحاربنا بكل ضراوة وبكل سلاح ممكن، وبالرغم من أننا نعرف هذه المعلومات إلا أن أغلبنا يتناسى المعركة الأبدية الدائمة بيننا وبينه.

أنظر إلى حال الإنسان في كل مكان الآن، وستجد أن الفساد قد طغى وتعاظم نتيجةً لأفعال البشر الظالمة، بل وتوقف الكثير رافعًا الراية البيضاء أمام الشيطان فأصبح حب الشهوات والحياة طاغيًا في قلوبهم حتى أصبحنا نرضى بالحياة الدنيا من الآخرة.

الفشل الحقيقي أن تتوقف عن المحاولة

لقد فشل ذلك المهزوم فشلًا حقيقيًا إذ توقف عن المحاولة وسمح لخصمه أن يُرغمه ويضع أنفه في التراب.

نعم سيداتي / سادتي، إن الفشل الحقيقي ليس أن تُخطئ آلاف المرات، ولا حتى ملايين المرات، إنما الفشل الحقيقي أن تخور قواك وتغيب شمس عزيمتك وتستلم فتتوقف عن المحاولة.

you do not fail until you quit

إن من يحاول أن ينجح، من يحاول أن يُحقق حلمه، من يحاول أن يكون شخصًا قيمًا في هذه الحياة، من يحاول أن يكون من عباد الله الصالحين وإن أخطأ ملايين المرات، لهو رجلًا ذا شرفًا كبيرًا، يُجبر العقلاء ألا يُطلقوا عليه لقب فاشل وإن استمرت محاولاته ملايين المرات.

ولكن حذار أن تحاول بنفس الطريقة التي أخفقت، ولكن جدد الأسلوب وحاول بطريقة مختلفة لتحقق أحلامك وستنجح في النهاية، وستقول لربك يوم القيامة أنك حاولت بكل ما أوتيت من قوة بغض النظر عن النتيجة التي كانت.


معركة المراغمة تتكون من 6 جولات

لا تحسبن أن المعركة الدائرة بينك وبين الشيطان ستنتهي من جولة واحدة، ولكنها معركة مستمرة ومكونة من 6 جولات كما صنفها ابن القيم، وإليك ملخص سريع عن هذه الجولات الست وبيان بالمنتصر فيها على مستوى البشرية جمعاء.

في معركة المراغمة .. من وضع أنف من في التراب؟

الجولة الأولى: معركة الشرك بالله

الهدف الأول الذي يسعى له إبليس أن يكفر الناس بربهم ويشركون به؛ فالله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

وقد تمكن بالفعل من الانتصار في هذه الجولة بنسبة كبيرة؛ فطبقًا لموقع Pew Forum وطبقًا لدراسته التي نشرها في شهر أبريل 2015 أن عدد المُسلمين يُمثل حوالي 23.2% فقط من عدد سكان الأرض طبقًا لإحصائيات العام 2010.

نسبة المسلمين 23.2 بالمائة عام 2010 ومتوقع أن تصل نسبة المسلمين إلى 29.7 بالمائة عام 2050

كما توقعت الإحصائية أن يصل عدد المسلمين إلى نسبة 29.7% من عدد سكان العالم بحلول العام 2050.

نسبة المسلمين طبقًا لإحصائيات عام 2010

عدد المسلمين العالمي يبلغ حوالي 23.2 بالمائة من سكان الأرض بعدد 1598510000

كما تلاحظ في الصورة السابقة أن عدد المُسلمين بلغ (1,598,510,000) في عام 2010، وحينها كان عدد سكان العالم 6,895,890,000، وبذلك تكون نسبة المسلمين = (1,598,510,000 ÷ 6,895,890,000) × 100 = 23.2%.

للأسف لم أجد إحصائية حديثة لعدد المسلمين الحالي ولكن سأفترض أن نسبتهم حوالي 30%؛ فحينها سيكون الجزم بأن الشيطان نجح في أن يهزم 70% من البشر وأن يجعلهم على ديانات أخرى غير ديانة الإسلام التي ارتضاها الله دينًا للناس.


الجولة الثانية: معركة البدع العقائدية

في الجولة الأولى (معركة الشرك والكفر بالله) نجح الشيطان اللعين أن ينجح بنسبة تصل إلى حوالي 70% إذ استطاع أن يجعلهم على ديانات أخرى غير ديانة الإسلام، وفي الجولة الثانية لا يزال يُحارب الـ 30% المتبقية.

نعم والحمد لله لدينا 30% مسلمين، ولكن هل حقيقة كل المسلمين كذلك، أم تمكّن اللعين أن يجعل عددًا لا بأس به ينحرف عن منهاج النبوة وسنة العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام.

لعلك ترى هذا التناحر الكبير بين المسلمين الآن، ولعلك ترى فئات قليلة قد ضلت عن الصراط المُستقيم، ونسأل الله أن يهدينا جميعًا إلى صراطه المُستقيم.

بالتالي فإنه من الواجب عليك أن تنتصر أنت بشكل فردي أولًا في هذه المعركة فتثبت على الدين الذي ارتضاه لنا الله وبينه لنا في كتابه الكريم وفي سنة حبيبه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.


الجولة الثالثة: معركة كبائر الذنوب

فئة كبيرة والحمد لله من المسلمين نجت وانتصرت في الجولة الثانية (جولة بدع العقيدة)، ولكن الشيطان لا يزال يحاول جرّ هؤلاء إلى فعل الكبائر بعد أن فشل وخاب أمام عزيمتهم في الجولتين الأولى والثانية.

لماذا يجرّنا إلى فعل الكبائر؟ لأن الكبائر من المحتمل الأكيد أنها تزج بفاعلها في النار وتجلب عليه الغضب إن لم يتب لله عز وجل.

أليس الله – عز وجل – هو القائل: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) الآية 31 من سورة النساء؟ فاجتنب إذن تلك الكبائر وانتصر على الشيطان في الجولة الثالثة وضع أنفه في التراب.

ما هي كبائر الذنوب؟

اختلف السلف في تحديد عدد الكبائر ما بين 7 إلى 70 إلى 700. وقد تحدث الكثير من العلماء عن الكبائر ومعناها وفرقوا بينها وبين صغائر الذنوب.

فمنهم من قال: أن الكبائر هي تلك الذنوب التي أوعد الله عليها حدًا في الدنيا أو وعيدًا في الآخرة؛ فكل ذنب أتبع بأن من يفعله سينال عذابًا من الله، أو اللعنة، أو الغضب أو النار فهو من الكبائر.

إذن يمكن تعريف الكبائر بأنها الذنوب التي لها عقوبة خاصة سواء كانت هذه العقوبة في الدنيا أو في الآخرة، وإذا وقعت الكبائر فعليك بالإسراع إلى التوبة النصوح بشروطها.

توجد كثير من الكتب توضح الأمر كثيرًا، ويجب أن تعرف أن موضوع الكبائر يحتاج إلى وقفة كبيرة ولا يمكن تلخيصه في هذا الموضوع.

السبع الموبقات أي السبع المهلكات

السبع الموبقات تعد من أكبر الكبائر التي تزج بمن يفعلها في النار وقد حذرنا رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – من فعل أي منها، وهذه الذنوب السبعة هي:

  1. الشرك بالله.
  2. السحر.
  3. قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
  4. أكل الربا.
  5. أكل مال اليتيم.
  6. التولي يوم الزحف.
  7. قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.

كتاب الكبائر للإمام الذهبي

لدينا أيضًا كتاب الكبائر للإمام الذهبي والذي أفرد فيه 76 كبيرة، ووضح فيه الفرق بين الكبيرة والصغيرة وكثير من الأمور الأخرى التي تتعلق بهذا الموضوع المهم، وبإذن الله سنفرد لهذا الموضوع مقالًا منفصلًا. (لتحميل كتاب الكبائر للإمام الذهبي أضغط هنا).


الجولة الرابعة: معركة الإكثار من صغائر الذنوب

إذا فشل الشيطان الرجيم وخسر الجولة الثالثة أمامك فسوف يعلن الجولة الرابعة (معركة صغائر الذنوب) والهدف من هذه الجولة هو إيقاعك في فعل الكثير من الذنوب الصغيرة ليهون الأمر عليك وتصبح أقرب إلى فعل الذنوب الكبيرة بل ويُصبح فعلها سهلًا عليك.

وأذكر إليك عدة أمثلة لتقريب المعنى أكثر إليك:

  • هناك الكثير من الشباب الذين بدئوا بشرب سيجارة على سبيل التجربة حتى تعودوا عليها ثم انتقلوا إلى شرب المخدرات.
  • كثير من الشباب تعودوا على مشاهدة الأفلام الإباحية حتى تعودوا عليها، وأصبحوا أقرب إلى فعل الزنى من قبل وتناسوا أنه من الكبائر.

الكثير من الأمثلة على ذلك حاضرة، ولا شك أن جميعنا يعلم بأن معظم النار من مستصغر الشرر، ولعل هذه من الحكمة الإلهية أن ينهانا عن فعل الذنوب الصغيرة حتى لا يُصبح فعل الكبائر أمر سهل علينا فنفعلها.

قصة برصيصا العابد الذي أغواه الشيطان حتى أدخله في الكفر

ولعل أكبر دليل يوضح خطورة الإكثار من الصغائر هي قصة برصيصا العابد الذي أغواه الشيطان حتى أدخله في الكفر وجعله في النار خالدًا فيها، وإليك فيديو للشيخ نبيل العوضي يحكي فيه هذه القصة المليئة بالعبر.


الجولة الخامسة: الإكثار من المباحات (الحلال)

إذن انتصرت على الشيطان في الجولات الأربعة السابقة، فأعلم أن هناك جولة خامسة ألا وهي جولة الإكثار من المباحات (الحلال)؛ حيث يعمل الشيطان على إشغالك عن العمل بأن تُكثر من المباحات.

الهدف من هذه الجولة أن تقل أفعالك الحسنة فتحصل على حسنات أقل؛ فأنت مشغول في أمور الحياة المختلفة وهي حلال كلها ولكنها تصرفك عن القيام بأفعال مهمة تؤجر عليها بالكثير من الحسنات مثل الدعوة إلى الله ومساعدة المحتاجين ومناصرة إخوانك المظلومين وغيرها من الأفعال الحميدة.

لذلك يجب عليك أخي أن تقتصد في كل شيء وأن تحافظ على الوقت وأن تجعل حياتك كلها لله وحده.


الجولة السادسة: الانشغال بالمفضول على الأفضل

إذا تمكن الإنسان من الانتصار في الجولات الخمسة السابقة؛ فهو بإذن الله في الجنة يوم القيامة، ولكن هل تظن أن الشيطان سوف يتوقف عند هذا الحد؟

لا، لن يتوقف الشيطان الرجيم، ولكنه سوف يحاول أن يُشغلك بالمفضول على الأفضل لتحصل على عدد أقل من الحسنات فلا تحصل على درجات عالية في الجنة ولكن تحصل على أقل عدد ممكن من الدرجات والحسنات.

كما تعلم أن هناك أولوية في كل شيء؛ لذلك يجب علينا جميعًا أن نتفقه ونتعلم فقه الأولويات؛ فمثلًا صلاة الجنازة أفضل من قراءة القرآن، كذلك صلاة الفرض تُقدّم على النوافل، ورعاية الوالدين في حالة لم يكن لهما غيرك أولى من الجهاد في سبيل الله.

فقه الأولويات موضوع مهم للغاية وبإذن الله سوف يكون هناك درسًا آخر موضح لهذا الأمر نظرًا لأهميته، وحتى ننشر هذا الدرس إليك رابط كتاب فقه الأولويات لمحمد الوكيلي وإليك الفيديو التالي الذي يوضح فقه الأولويات.

الآن قد انتهينا من إيضاح كل المعلومات التي تحتاج لها للانتصار في معركة المراغمة، ولتكن على علم أن الشيطان وجنوده قد يشنون عليك الـ 6 جولات في نفس الوقت؛ لذلك يجب عليك أن تكن مستعدًا دائمًا وفطنًا ذكيًا حتى لا تخسر المعركة وتُصبح أنفك في التراب.

إن مُهمتك أن تجاهد بعزيمة مثل الحديد في هذه المعركة حتى تنتصر على الشياطين وتضع أنوفهم في التراب، ولتعلم أنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يملك لك ضرًا ولا نفعًا، بل الله عز وجل هو النافع والضار؛ فتوكل على الله.

أيضًا لا تدع هذا الموضوع إلا وقد نشرته ليستفيد منه أصدقائك وأهلك حتى يتمكنون هم الآخرون من الانتصار في هذه المعركة – معركة المراغمة، والآن أخبرني هل ستضع أنف الشيطان في التراب؟

أظهر مزيدًا من المقالات ذات الصلة
أعرض مزيدًا في من هنا وهناك

6 تعليقات

  1. amro

    26 أكتوبر 2016 في 7:27 ص

    جزاك الله كل خير
    ربنا يهدينا ويهدي عباده وينجينا من شياطين الانس والجن

    رد

    • صلاح سلامة

      26 أكتوبر 2016 في 9:30 ص

      جزانا الله وإياكم خيرًا أخي العزيز 🙂 الله آمين

      رد

  2. سيد

    26 أكتوبر 2016 في 10:49 ص

    بارك الله فيكم أخي الكريم

    الكثير منا يأخذ شطرا من حديث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويترك النصف الآخر.

    أتكلم عن حديث “المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف”

    هذا ما يأخذه الكثير منا، ولكن بقية الحديث تبين لنا كيف يتحول المؤمن من الضعف إلى القوة…

    “المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا يقولن أحدكم لو كنت فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قُل قدَّرَ الله وما شاء فعل”

    فالعلاج في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أن تحرص على ما ينفعك من أعمال العبادات والمعاملات فتتدرج من حال المؤمن الضعيف إلى المؤمن القوي”

    لا أريد الإطالة أكثر.. وأسأل الله تعالى أن يجزيك عنا خيرا أخي الكريم، ويهدينا جميعا ويعزنا بطاعته ولا يذلنا بمعصيته . . الله المستعان.

    رد

    • صلاح سلامة

      26 أكتوبر 2016 في 4:27 م

      بالفعل يجب على المؤمن أن يتسمر في المحاولة ويجب عليه ألا يعجز ولا ييأس من روح الله، وما دام المؤمن لم يعجز ومستمر في التوكل على الله حق التوكل فهو قوي بإيمانه بالله عز وجل، جزاك الله خيرًا ونسأل الله أن ينفع بنا وبكم.

      رد

  3. Mohsen Alhomaygany

    26 أكتوبر 2016 في 6:04 م

    جزاك الله خيرا أخ صلاح وجعل ذلك في ميزان حسناتك ، وفعلا أخي الكريم فمعركتنا الحقيقية في هذه الدنيا هي مع الشيطان وهوى النفس وهذا ابتلاء من الله عز وجل لنا واختبار ليميز الخبيث من الطيب فكما خلق الله الجنة خلق كذلك النار وخلق الحياة بكل مافيها من خير وشر وخير الانسان اي الطريقين يسلك وخلق كذلك الموت ليتحول الانسان من دار الابتلاء الى دار الجزاء وكل يجزى حسب ماقدم في دنياه ان خيرا فخير وان شرا فشر قال تعالى ( الذي خلق الموت والحيو’ة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهو العزيز الغفور )

    رد

    • صلاح سلامة

      27 أكتوبر 2016 في 4:06 م

      نعم أخي ولعل جهاد النفس أشد بكثير من الجهاد ضد الشيطان اللعين، جزانا الله وإياكم خيرًا ونسأل الله أن ينفع بنا وبكم 🙂

      رد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *